“المباراة قريب تبدا”
تطال العبارة مسامعي. أناملي الصغيرة خدرة إثر النوم. مازال الوقت مبكرُا بالنسبة لفتاة صغيرة لتنهض، فلم يعانق قرص الشمس الأفق بعد، لكنني أفتح عينيّ المرهقتين وأحمل نفسي على النهوض من فراشي كما لو أن مهمة عظيمة في انتظاري. أراها جالسة هناك، تحمل بيدها الورقة المطوية. أسماء فرق مشطوبة، وأخرى تمكّنت من التأهل. أجلس بقربها وأنظر للورقة لوهلة، ثم أشيح بنظري عنها ناحية والدتي. أسألها متى ستبدأ المباراة بالتحديد، فتجيبني أنها على وشك البدأ وأنه ينبغي عليّ أن أنام فالوقت لا يزال باكرًا. أرفض ببسالة النوم، وأحدّق في شاشة التلفاز.
أخيرًا توسّدت أقدام اللاعبين أرضية الملعب، واكتسحت ألوان بلاد السامبا خضرته. أجول بعيني بين لاعبي فريقي وفريق والدتي المفضّل، البرازيل.
“وينه حلالة الطماطم؟ مش حيلعب؟” أسأل والدة في تعجّب. تشير بيدها إليه. “أهو رونالدينو.”. أغتبط لرؤيته بهيئته الظريفة والتي كنت حينها أرى أنها توافق الاسم الذي أطلقته عليه. أسنانه الأمامية وابتسامته دفعاني لتسميته “حلالة الطماطم” ولا زلت أجهل السبب الذي قد يدفع بفتاة صغيرة إلى أن تطلقه على أحدهم؛ لكن الاسم رافقني ووالدتي وأضحى رونالدينو ملقبًا به. أحدّق بالشاشة مجددًا لأبحث عنه هو الآن، من يسحر عقلي الصغير وعيناي بلعبه. أجده، يقف هناك برأسه الحليقة فيما عدا المقدمة مرتديا الرقم تسعة. تبتهج أساريري لرؤيته وأبتسم ملء فؤادي. هيأته لا يمكن أن تفصح عن الموهبة التي يمتلكها، وأعتقد أنه من الأمثلة الأولى التي رسّخت في عقلي كون الإنسان أكثر من مجرد قشرة وأن الموهبة قد تولد من رحم ظنّه البشر عقيمًا. سحره من نوع لم أعهده ولا أعتقد أنني سأعهد غيره قط فيما خلا الكرة الإيطالية. ها هو أفضل تسعة بالعالم يقف أمامي في الشاشة. أنتظر بفارغ الصبر أن يطلق الحكم صفارته فتبدأ المتعة. سرعان ما يحدث ذلك. تنسلّ الكرة بسلاسة بين أقدام البرازليين، وتلتصق بقدمه هو كما لو أنها مغناطيس. لا شيء سواه والشباك. يتعالى صوت والدتي وأترقّب استمتاعها الكليّ بالمباراة، فتتضاعف سعادتي ومتعتي، والتي بلغت أوجها حين توّجت البرازيل ذلك العام بطلة لكأس العالم. مونديال 2002.
لا شيء يبهجني حينها سوى الاستيقاظ مبكرًا وتناول “السفنز” الذي يحضره والدي. لم يكن والدي ممن يهتم بالكرة لكنه يحرص على مشاركة والدتي متعتها بمتبابعتها بالسفنز. لم أفهم ما علاقة السفنز بالكرة! لكنها عادة لم يفارقها. يستيقظ باكرا، يحضره لنا، وأتناوله أنا في غبط. كان ذلك يكفيني، ما شأني باستيعاب الرابط بين الكرة والسفنز!
سفنز والبرازيل وأمي. جنّة.
الكأس وهو قرينان بلا أدنى شك. في الحقيقة، لم يكن الكأس يبدو أنه قرين سوى للبرازيل بالنسبة للمشاهدة الصغيرة التي كنتها حينها. جميعهم نجوم. جميعهم مذهل. روبيرتو كارلوس، رونالدينو، ريفالدو، كافو، لوسيو، كاكا، سيلفا، والظاهرة.
بالرغم من صغر سنّي إلا أن حبّي للبرازيل وللظاهرة رونالدو لازماني منذ الصغر، حين كنت لا أدرك ماذا يقصد بالجناح أو لما يغضب الحكم لتصرفات معيّنة، لكن كل خليّة من كياني الصغير كانت تستمتع بمجريات المباريات، وابتسامة أمّي.
اليوم حين أرى صورته يغيب محيطي ويستحيل المكان إلى غرفة جلوسنا في منزلنا القديم. جدول والدتي للمباريات التي كانت تبث في الصباح الباكر بسبب فروق التوقيت بيننا وبين اليابان. كأس الشاي بقربها. تشنجاتها خلال المباراة كما لو أنها من أشرف على تدريبهم. كما لو أن دماء شعب السامبا والكرة تجري في عروقها. ابتسامتها وسعادتها، كل ذلك تقوم بعرضه جدران مخيلتي حين أراه.
أطلّت صورته أمامي منذ قليل برفقة رونالدينو .. أيام الزمن الجميل.. لا أدري أكون الأشياء تضحي مجرد ذكرى هو ما يلفحها بشي من الهيبة والجمال الذي يصعب تحديده، أم أن الحقيقة هي كذلك: الماضي أجمل بكثير من الحاضر..
لا أدري.. ولن أبحث عن إجابة هكذا سؤال ..
يبقى هو أفضل من لمس الكرة على الإطلاق بنظري. أفضل تسعة في العالم. رونالدو..
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s