مآذن

طاقة جبارة تدّب في أطرافي الصغيرة، ربما هي حمساتي وفرحي بحلول ضيفٍ يزورنا مرة كل عام، ليقوم بتغيير روتين حياتنا الرتيب. هلَّ الضيف ذاك العام في شهر تشرين الثاني، في أجمل فصول السنة بالنسبة لي، الشتاء. والذي بقدومه ازداد جمالاً وسحرًا. تغيّرت أجواء البيت والشوارع، وحتى الهواء استحالت رائحته لتوافق تلك التي ترافق ضيفنا العزيز عاما تلو الأخر ويصعب عليّ تحديد ماهيتها أو مصدرها. ربما حتى النسيم يشتاق لقدوم هذا الضيف وهذه هي طريقته في التعبير عن ترحيبه بقدومه. صحيح أن الروتين العام تغيّر، فكل شيء يتزيّن للزائر المحبوب، ولكن التغيير لا يلحقني، وليس كليًّا بالنسبة لي، فقد كنت في الثامنة من عمري أنذاك، وصيامي الرمضاني لا يشابه صيام والديّ اللذان كان في عيني بطلين، فها هما بكل قوة يمتنعان عن الطعام لشبه يوم كامل من أجل الله!

“الله، خالقنا وخالق كل شيء، اللطيف الجبّار.”، هكذا اعتادت والدتي إجابتي في كل مرة تساءلت فيها لما تقوم بالامتناع عن الطعام، فتجيبني بإن ذلك إمتثال لأوامر الله، اللطيف الجبّار، بالطبع لم أعي كيف يمكن لشيء أن يكون لطيفًا وجبّارًا في ذات الوقت، لكن الإحساس الذي يعتري قلبي الصغير كان أقوى من أن أناقش لأفهم معنى كلمة “جبّار”. سكينة كانت تحل بقلبي لدى ذكر الله، ولم أكن لأستبدلها بالتساؤولات.

“الكل يصوم لله وأنا سأصوم له أيضًا!”، تعالت احتجاجاتي وملأت بيتنا في حين كنت أجول وأتبع خطوات والدتي المنشغلة بأعمال المنزل. أجادلها في كوني أريد الصوم أيضًا، فتخبرني أن الصيام ليس للأطفال مثلي وسيأتي يوم أبدأ فيه الصيام. لم أقتنع وحاربت بعناد طفلة تتشبث بما تريد ولا ترتضي غير الحصول على مرادها. وهذا ما حصل، فغدًا “أنتِ بعون الله صائمة”، هكذا أخبرتني أمي برضوخ ووهن.

استيقظت وأنا أشعر بالوهن في اليوم التالي،، على عكس سابقه، ربما هي معرفتي بأني سأمتنع عن الطعام حتى صلاة الظهر مكّنت الجوع منّي، بالرغم من أن صيامي جزئي، فقد وعدتني والدتي أيضًا أنني إن قمت بصيام يومين، كل يوم حتى صلاة الظهر، ستقوم بـ “حياكة” الجزئين معا، ليصبحا بمثابة يوم واحد! أدخل وعدها السرور في قلبي وإن لم أعي مجددًّا كيف يمكن “حياكتهما”؛ لكنها لم تكن مرحلة وعي بالأشياء، فجُلُّ ما يهمني هو إشراكي فيما يقوم به البالغون. وقد تمكنت من ذلك وأكثر، فببراءة طفلة صغيرة، ظننّت أني استطعت الحيازة على خير الأمرين، القدرة على تناول الطعام بعد صلاة الظهر، والصيام لله، فابتهجت وكأنه عيد.

على سفرة الإفطار، جلسنا ننتظر صوت المدفع ليأذن لنا بالإفطار، بالطبع لم نسمع صوته بشكل مباشر، لكنني كنت أرى صورته تزيّن شاشة التلفاز على قناتنا المحليّة. صورة السماء بلون البرتقال، أسوار المدينة القديمة والمدفع الأسود القديم من أجمل الصور التي رأتها عيناي. وكم تمنيّت أكثر من مرة الوقوف بنفس المكان الذي يطل منه المدفع والتمتع بنسيم البحر وأسوار المدينة القديمة. بعد الآذان، شاركت أبي وأمي شربهما للبن وتناولهما للتمر، العادة التي لطالما رغبت أن أشاركهما إياها؛ ولكن بصدق، أي أن أشاركهما وأنا صائمة، وهأنا قد فعلت ذلك اليوم. لم يكن شيء يدور في عقلي سوى كوني بطلة مثلهما، أو على الأقل في طريقي لأصبح كذلك.

مائدة الإفطار العامرة بطعام من صنع والدتي، والصحن الغريب الذي يزين جلستنا والتي قامت بإرساله جارتنا مع إبنها الشقي كعادتنا في تبادل الأكلات قبيل كل إفطار.أحاديث “الحاج” و”الحاجة” في برنامج يذاع في التلفاز ويبث في رمضان فقط، كل ذلك، كان جنّة صغيرة، اعتقدت في أعماقي أن الله اللطيف قدّمها لنا ولسائر المسلمين لكوننا أبطالا صائمين..

قبل أكثر من عشر سنوات، كانت مظاهر الحياة البسيطة جنّة، وكان رمضان ضيفًا تتزيّن مدينتنا وحيّنا وهواءه لقدومه، أما الآن، فلم يبقى من الجنة سوى ذاك اللفظ الذي نسأل الله أن يجعله مثوانا في الآخرة حين إفطارنا، وأما الزينة.. زينة؟ عن أي زينة أتحدث؟ لم تعد هناك زينة، ولم يرجع من رمضان سوى اسمه هذا العام وأصوات المدافع ، لكنه ليس مدفع الإفطار، بل مآذن للموت…

حقوق الصورة | رزان النعاس 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s