كانت تجلس جدّتي هنا بالأمس، بردائها التقليدي الذي يطوّقها كدرع ولطالما أبهرتنا بطريقتها في ارتدائه بكل رشاقة بالرغم من كونه معقدًّا، أو هكذا كان يبدو لنا. تشد ردائها على رأسها الذي تزيّنه جدائل صغيرة مخضبة بالحنّة، فيغازل الأحمر في شعرها بياض وجهها المستدير كالبدر، والذي ما استطاعت جيوش الزمن تسوية أثار إبداع الخالق فيه. تفترش جدتي حصيرة على الأرض فيما تقبع الطاولة الخشبية القديمة ذات الأرجل القصيرة أمامها، ويستقر على سطحها طاجن الحلوى التقليدية التي تنهمك في إعداده بشغف، فيما تقوم خالاتي ووالدتي بمساعدتها.

نجلس قربها بعيون متربّصة كبيرة لا توافق أحجام أبداننا الضئيلة، حماستنا بادية في ضحكاتنا المجلجلة التي ملأت البيت، فها نحن نشهد ولادة كعك العيد!

تنشغل الخالتان الأصغر في تشكيل عجين الكعك مع جدتي، فيما تنهمك والدتي في صنع “الغرَيْبة”، ذاك الصنف من الحلوى التقليدية الليبية الذي لم أكن أطيقه ولم أفهم سر حبّ والدتي له. أقترب من خالتي الكبرى وأشاهدها وهي تحضّر “المقْروض”، فتبرق عيناي ويقرص توقي لتناول إحداها معدتي بالرغم من كونها ممتلئة، إلا أنّ حبّي لحلوى المقروض يفسح المجال لتناول طاجن كامل إن أردت، أو لأكون أدق، إن سمحوا لي.

متى سنتمكن من إيصالها للمخبز؟” أسأل جدتي وكلي شوق لاستلام مهمتي العظيمة! تبتسم ابتسامتها البديعة وتنظر ناحيتي دون أن تتوقف عن تشكيل العجين بيديها اللاتي عانقت رسغيهما أساورها ذهبية التي ما فارقوها قط.
بعد قليل يا بنيّتي. كدنا ننتهي” تخبرني ثم تشير إلى أبناء خالتي ليستعدوا، فقد تقلّدوا منصبًا رفيعا، وألقيت على عاتقنا مسؤولية كبيرة، فعلينا إيصال طواجن الحلوى للمخبز في حيّنا. يتشاجر الصبيان ويختصمون فيما بينهم بينما أرقبهم مبتسمة شاكرة لله أنني وحيدة والديّ والفتاة الوحيدة التي تقلّدت منصبا في هذا الحزب المسئول عن إيصال الحلوى. فابنة خالتي الكبرى صغيرة في السن جدًّا. رأيت أن من حقي أن أكون المشرفة عن إحدى الطواجن، وكنت قد عقدت العزم أن يكون طاجن المقروض مسؤوليتي .
تنهي جدتي تحضير الكعك، وتطلب من ابن خالتي أن يقوم بإيصال أولى طواجن الحلوى للمخبز في الحيّ حيث اعتاد الجميع أن يرسل حلوى العيد ليتم خبزها.
إياه أن يحترق. أطلب منه أن يحترس” تشدد على ابن الخالة التعليمات الذي يجب عليه ترديدها لصاحب المخبز فيما يومئ هو على عجالة. كان هذا تقليدنا السنوي في وطني، نحضّر حلوى العيد بالبيت ثم نقوم بخبزها في مخبز الحيّ، وتتجهّز مواكب بشرية لهذه المهمة، جنودها نحن الصغار، وتتحول رؤوسنا لناقلات شحن، فتستقر الطواجن فوق الرؤوس ويحسب الناظر إلينا من مكان شاهق أن جيشًا من الحلوى قد استولى على الحيّ. رائحة العجين والتمر تداعب أنوفنا فيسيل لعابنا فيما ننتظر حتى تصل الأمانة إلى وجهتها سليمة.
أنهت خالتي تجهيز المقروض وحان أوان إيصال أمانتي والتي يشاركني بها ابن خالتي الأخر. فبالرغم من احتجاجاتي ومطالبتي بأن أشرف بمفردي على إيصالها، إلا أن جدتي رفضت.

الطاجن ممتلئ ولا تستطيعين حمله بمفردك. أتريدين أن تتعثري في الطريق وتسقط الحلوى أرضا ويضيع مجهودنا سدى يا بنيّتي؟” ترمقني وقد عانقت ابتسامتها الحانية ثغرها فتتهاوى دفاعاتي الاحتجاجية وأرضخ لأن أتشارك مع ابن الخالة المهمة.
نصل للمخبز وننتظر الحلوى لكي تجهز، نمضي الوقت باللعب مع أبناء الجيران والحديث عن حلوانا المفضلة. الكل يرتقب لحظة نضجها كوالد يرقب ولادة طفله الأول. نجهّز خطة تسمح لنا بالتهام الحلوى فور خروجها من لهيب الفرن دون أن يلحظ أهالينا نقصانها، ونقرر بالإجماع أنه يلزمنا إعادة ترتيب الطاجن حتى نخفي أمكان استقرار الكعكعات عليه والتي ستنتقل لتستقر في بطوننا.
تجهز الحلوى ويتهلل وجه الخبّاز والعاملين، نتهافت على الطواجن ويحصد كل منا نتاج ما أحضره. تستقر الطواجن على الرؤوس مجددا، وتشد قوافل الحلوى الرحال لأرض الوطن. ننشد الأغاني ونتلذذ بتناول ما نسرق من حلوى. نعيد ترتيب الكعك كما اتفقنا حتى نخفي أثار جرم تشهد له رائحة أنفاسنا. نكرم المارين من الجيران ونعرض عليه تذوق حلوانا كما أوصانا أهلنا. يتبجح الجميع أن جدته هي الأفضل في تحضير الحلوى الشهية ، نتخاصم لبرهة ثم نتفق على أن جميع الجدات والأمهات رائعات ماهرات.


نصل بعد رحلة تبدو طويلة وشاقة إلى المنازل، وتستقبلنا أمهاتنا بابتسامة عذبة تبعث بالدفء والأمان في أجسادنا الصغيرة. نشعر بالفخر والاعتداد بنجاحنا في مهمتنا ونحاول إخفاءه. يسألوننا إن قمنا بتقديم الحلوى للجيران والخبازين فنجيب بالإيجاب.
أركض لأعانق جدتي وأدفن نفسي في ردائها. يحتل شذاها أنفي، مزيج من المسك العربي وعطرها. كانت لها رائحة خاصة، رائحة الطيبة، رائحة الحنان، رائحة العطف، كلها مجتمعة في جدتي. أندس بين أحضانها وأنظر لوجهها الصبوح وأطلب منها أن تقوم بتزييني كما تتزين هي. ذاك الوشم الذي يتوسط ذقنها والذي لطالما تمنيت الحصول على واحد مثله يبهرني في كل مرة ألقي بنظري ناحيته. تومئ وتعدني أنها سترسم لي واحدا لاحقا، أما الآن فآن أوان تذوّق الكعك. نبتهج وكأننا لم نكد نجهز على الطاجن في الطريق، نتجمع حول جدتي ونبتسم ..
تسأل جدتي الله أن يحفظنا ويقرّ أعين أهلنا بنا..
تنير العالم بابتسامتها.. ويظلم العالم برحيلها ورحيل تلك الأيام..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s