سلام

000
الحر اليوم شديد، وكأنها شمس يوم الميعاد تقترب منا لتُحِيل المذنبين رمادًا وقطرانًا يزداد سواده كلما عظم ذنب أحدهم، ويغرق بقيتنا ويتخبّط في نجاسة أعمال غيره وأعماله، وإن اختلفت الذنوب والآثام وعظمتها. كأن حر اليوم لا يكفي فترى البشر وكأنهم يتآمرون على بعضهم البعض ويتحيّزون إلى جانب الطقس النّاري فيضيِّقون الخناق أكثر بازدحامهم وتجولهم في الطرقات بين بائع منادٍ ومشتري ساخط، وقاطع للطريق هائم زائغ العينين، وأخر سليط اللسان ما فارقت يده الزمّور معرِبًا عن امتعاضه من ازدحام الطريق الشديد، حتى يعتقد المرء من رد فعله أنه وحده التي تقبع سيارته دون حراك بسبب شدة الازدحام.
 
هناك، على ممر المشاة المحاذي لبيتنا، أجلس أنا لأراقب المارّة وأرسم في عقلي السيناريوهات المختلفة لهم والتي تتشابه فقط في كونها كئيبة. يا ترى أهو البؤس الذي غزى وجوه الصغار منهم قبل البالغين وكسا قسماتهم حزنًا حتى تقوّس شفاههم للابتسام لا يخفيه؟ أم اللوم يقع على عاتق مخليتي التي لم تعد قادرة إلا على نسج السواد؟
 
“نوض من على المرشبيدي يا ولد وتعالى هي سايرني”، ينتشلني صوت والدي الذي يتعالى فوقي كصرح شامخ بظله ليواري عني بعضًا من أسهم النار التي أبت ألا تطلقها الشمس اليوم بالرغم من أنه وقت العصر وما هي إلا ساعات ويعانق قرصها الذهبي الملتهب الأفق ويغيب بين أحضانه. أنهض لأتبعه دون أن أنبس ببنت شفة، فقد أصبحت هذه عادته منذ زمن ليس ببعيد، يأمُرْ فيُطاع ويتبع، ويتوالى الصمت والسكون الأدوار من بعد أمره.
 
نجلس في سيارتنا نلحق ركب الساخطين من أصحاب السيارات الأخرى، المرفهّين من البشر، فعلى الأقل يمتلكون أجهزة تكييف تصيب قطرات العرق المتصبب من أجسادهم بالشلل. ها هما ساعتان قد مضتا ولم ننجز ما نحتاج لإنجازه، “ما فيش واحد قاعد في حوشه حتى في رمضان.. شن هالشعب!”، هكذا تمتم والدي بجانبي في سخط يجعل أسنانه السليمة المتبقيّة، التي لم يجهز عليها التبغ وأعوامه التي قاربت أن تتم الستين، تصطك ببعضها البعض وتطبق يده اليمنى على المقود بشراسة تفصح عن غليان الدماء التي تجري في عروقها، فيما تجد اليسرى الملاذ على برنوسه ليتخذ مرفقه حافة النافذة ملجئًا. قد كانت هذه ولازالت هيئته وجلسته حال شرود ذهنه، وما أكثر هذه الحالات..
 
أستمر في مراقبة المارّة من النافذة، فأنا حاضر كجسد لا تدري إن رأيته أفارقته الروح أم لم تفعل، فقد انصعت لأوامر الوالد ولم أعترض، لما قد أعترض وهو أشبه بالطقس اليومي؟ خاصة أننا في شهر رمضان وهو دائم الخروج من المنزل. تجول عيناي المرهقتين بثقل لا أعلم كنهه، وتترصد المارّين من الأطفال والصغار خاصة، أشعر بالشفقة اتجاههم وأدعو ليخفف الله عنهم حر هذا اليوم وما تبعه، فهم لا يستحقون أن يعاقبوا بذنوب البالغين، “هادا كله من ذنوبنا، يا حليلنا شن دايرين في عمرنا ربي غاضب علينا في كل شي.” يتردد صدى كلمات والدتي التي ما تنفكّ عن ترديدها، فهي على يقين أن ما نحن فيه من تبدّل للأحوال حتى تلك التي تطال الطقس سببه ذنوبنا. لا أدري أمن البالغين أنا حتى تلحقني دعوات والدتي أم لا؟
 
“زلابية، اشريلي زلابيا يا بابا”، ذبذبات صوت طفل صغير تنتقل في الهواء لتداعب طبلة أذني وتجعل عيناي تبحثان عنه وسط زحام ركب السيارات الماكثة في محلّها، وما أن تقع عيناي عليه، جالسًا في الكرسي الخلفي لسيارة تتقدمنا قليلا بمحاذاتي، حتى يحملني قطار الذاكرة ويعبر بصفارته المميزة ودْيانًا مظلمة في عقلي تحاشيت قدر الإمكان العبور منها خلال قرابة الخمس سنوات ماضية..
 
حلّ طيف وجه أخي الأكبر المتوفى منذ قرابة خمس سنوات مضت أمام ناظريّ، وهوى فؤادي في أعماقي لأهوى أنا معه ويتلقفنا جحيم الذكرى. “تعالى سايرني نمشو نشروا زلابية، المغرب قريب يأذّن” احتل صوته جمجمتي وتردد صداه على جدرانها، وبدأت شظايا الذكرى تجتمع أمام عيني لتشكّل فسيفساء لوجه عزيز من ماض قريب أشبه بالأمس..
 
“نبّي الزلابية اللي تقرمش”، خاطبته والبهجة بادية في صوتي قبل أن تتجَلّى بتجلِّي أضراسي من خلال ابتسامة عريضة لطفل يبلغ عشر سنوات.
 
“كانت تلوحوا عليكم هالعفن، الزيت اللي يقلوا فيها بيه في حالة”، جملة والدتي التي اعتدنا سماعها كملحق لكل حديث يدور بيننا حول تناول طعام من الخارج، ولم تملّ من إعادتها على مسامعنا، فتردد صوتها في الخلفية ليعبر باب المطبخ ويصل حيث نجلس في غرفة المعيشة.
 
“معليشي العفن بنته باهية يا غالية”، أجاب عبارتها أخي وعيناه طالتهما الابتسامة قبل حتى أن تنطق والدتي لمعرفته المسبقة بما ستقول. “وبعدين، مش موضوع زلابية، ما نبوش نشروا زلابية، أهو غر سبلة بش نطلع أنا وخوي ونديروا دورة قبل المغرب زي عوايدنا. وإلا شنو؟ نفوتوها؟”، أردف مخاطبا إياي بوجهه البشوش.
 
لم يأخذ الأمر سوى ثواني انتقال عبارته من ثغره إلى أذني حتى قفزت محتجًا، مستنفرًا ورافضًا لأن نقوم بإلغاء أجمل العادات بالنسبة لي. كانت مرافقتي لأخي قبيل المغرب في شهر رمضان طقسا من طقوس الشهر الكريم، أجلس بجانبه في السيارة، مستمعًا مستمتعًا بأحاديثه حول مجريات يومه منذ ذهابه صباحا للجامعة، ذلك الصرح التعليمي الأشبه بالمدينة المستقلة والذي ما أنفك يحدثني عنها، مرورا بحكايات عن تاريخ أجدادنا، شغفه الذي ورثه عن جدي كما يقول والدي، وصولاً إلى عادات الدول العربية المختلفة في رمضان.
 
“عندك علم، الزلابية، وحدة من الحاجات اللي ياكلوا فيها أغلب العرب وخاصة المسلمين في رمضان؟”، ألقى أخي سؤاله بنبرته وطريقته المعتادة التي تثير تساؤل المستمع وانتباهه.
 
“كلهم؟ مش ماكلة ليبية هي؟!”، رددت سؤاله بسؤال يفصح عن حيرتي.
 
“لا، مش ليبية”، لم تفارق الابتسامة وجهه الذي أرى جانبه الأيمن فقط وأنا جالس على الكرسي في السيارة قربه مستمعا بافتتان لسرده حكاية الزلابية والناس.
 
“تقدر تقول نختلفوا في التطييب، والعادات، لكن زي ما كان يقول جدك رحمة الله عليه، تقعد ولو حاجة بسيطة تجمع الناس باختلاف جنسياتهم، والباين الزلابية من الحاجات هادي”، قال جملته السابقة وضحك، ضحكة تهتز طبلتا أذني لها الآن وكأنّي أسمعها من ثغره مباشرة. “هي أنزل خللي ناخدو زلابية”، قال وهو يركن السيارة مبتسما لي، لتتهشم فسيفساء الذكرى أمامي وتفارقني ابتسامته الضبابية.
 
“وين سارح يا ولد نكلم فيك!”، امتعاض والدي يجعل رأسي يلتفت له في سكون لا يوافق الفوضى في داخلي. “ليا ساعة نكلم فيك! اتصل بولد عمّك عيّاد وقوله يقول لعمك تو بعتالي نوصله الأمانة.. والله ما عاد فيها خلاص المغرب بيأذّن والطريق مسكرة.”.
 
أنصاع كالآلة، وأبعث برسالة لابن العم أورد فيها مبتغى والدي، في حين كان يجول في عقلي صورة أخي، الذي ما ترك لي سوى الذكرى ووعودًا برحلات ومغامرات أكون فيها رفيقه حين يشتد عضدي.
 
فارقنا أخي، في نهار شابه سواده سواد الدخان القاتم الصادر عن عادم السيارة التي أمامنا، أحال سواده النهار ليلا. في تلك الساعة المشئومة من الظهيرة، في شجار لأحد أولئك المتسكعين، الذين يعدّون روح الإنسان رخيصة، بل أرخص الموجودات على ظهر البسيطة، كانت روح أخي هي الزهيدة ذاك اليوم، أنهتها رصاصة استقرت في قلبه، أطلقها أحدهم في جدال مع رجل اشتعل رأسه شيبًا، وفي مقام والدٍ لأكبرهم. استقرت بكل بساطة وسط الزحام، لتزهق روح من لم يكن أخا فحسب، بل مثلًا أعلى وبطلا في ناظري أنا اليافع آنذاك.
 
رحل أخي، وغادر عقبه الفرح، ولم أجد بالرغم من مرور السنين ما قد يسد فجوة رحيله، أراه في كل زاوية في الواقع وفي عقلي، في حلمي وفي اليقظة، وأحاول تعويض الحزن الذي يغلّف قلبي لفقده باستغفار المولى وسؤاله أن يجعل مثواه الجنّة، وأن يجعل قدر قاتله كالقدر الذي فرضه على أخي، رصاصة في قلبه، فما حصل مع أخي لم يكن سوى قدرٍ فرضه هؤلاء المتسكعون ويحتجون بكل وقاحة أنه قضاء الله، ولم يكن ليكون كذلك، فقضاء الله لا نحتج عليه، لكن لا يسعني سوى التفكير أنه كان من الممكن أن ينتزع الموت روح أخي على فراشه، بيننا، أو ربما مع رفاقه، أو، أو، أو .. لا يهم، المهم أنه لم يكن ليموت بعيدًا، وحده، في الزحام.. كان ليموت بسلام…
 
سلام؟ ما معنى “سلام”؟
 
قد رحل السلام…
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s