نسخة مستنسخة

أشفق عليه، رغب في امرأة صالحة تطأطئ رأسها خجلًا، قنوعة، ترضى بالاعتيادي، وأكثر خيالاتها جموحًا هي أن تمارس ما يمارسه الجميع من روتين يدعونه “حياة”.
إحدى أكبر خيباته هو إنجابي، لا يستطيع لوم نفسه فما كان يدري أنني سأكون ثمرته، ثمرة يعدّها فاسدة، فقرر لومي. لم يفلح لومه لي بإعادة تشكيل كياني، كنت صلصالًا عنيدًا بيديه، لم يستطع تشكيلي فاكتفى برؤيتي أتحول لتمثال صلب، لعله يكسره فيستريح. لازال يحاول، لكن روحي نفخت، ولا مجال لوأدها. حين حطمني أول مرة، لم يعي أنه منحني الفرصة لإعادة رصف قطعي المتناثرة وفق ما أشاء، وما أشاءه قاتم بشكل متوهّج. يكرر على مسامعي أنني هكذا منذ حداثة سنيني، أنني أثرت حنقه لأول مرة بشكل عارم ولم أكن تجاوزت سبع سنوات، وما انفكيت أفعل ذلك طيلة الوقت عقبها. لا أعلم مادة الخلق الأولى التي شكّلت جوهري المقيت المرعب بالنسبة له، يكفيني اعتناقه، الغياب في “مجاهله التي ليس لها قرار”.
لا يزال يجهل أنه أحد أوائل المحفّزات البدائية لما يختمر في داخلي، لذلك الجوهر، فحبّي الفطري له لم يمنعني عن رفض ما يرغب في أن يمليه علي هو وغيره. المثير للسخرية أنني من يقوم بإملائهم وهم غافلون، أحد نقاط ضعف غالبية البشر هو تلذذهم بنشوة تحقيق مرادهم، والذي في العادة ما يركنون عقبه دون حراك، امنحهم إياها وسيصيبهم الشلل والخدر الذي يلي ارتعاشة النشوة، يضحون غير قادرين على رؤية ما أمامهم، الجميع يتوجّس مما لا يراه، لكن قلة فقط تعي أن الخطورة تكمن فيما نراه أمامنا مباشرة ولا نخشاه، يتمكّن منّا ونحن مشغولون بغيره بما لا نستطيع رؤيته، لكن الدهاء والخوف كل الخوف مما نعتقد أننا رأيناه وهو قابع أمام ناظرنا، وفي الحقيقة لم نفعل. امنحهم الفرصة ليخشوا أمرًا لا يرونه، لينشغلوا به، وسيصابون بالعمى.
هكذا مضت الأعوام مع والدي، يعي أنني هجينة، لست بصالحة بمعناها الشائع، ولست سيئة كذلك، لكنه سكن إلى ركوني وصبري، اعتقد أن هيجاني المتذبذب الدوري ما هو إلا محض أمر عابر، كفلت له اعتقاده، كان له ما شاء من “اعتقاد” ولي كل ما شئت من حقيقة.
إن كانت الحياة عبارة عن الرعشة التي تلي ممارسة الحب وتتويج النشوة، والغالبية تقنع بمحض رعشة واحدة، بل يحاول البعض تزييفها، فمن مثلي يدشّن كل ثانية من ممارسته للحب، كل إيماءة، وكل تلاحم، لا يقنع بمحض رعشة بل سلسلة ماجنة، هجينة من الرعشات، يختزل فيها كل شيء بعنف، الحب، المجون، الإثارة، العاطفة، الجشع، الجبروت، الألم، الشغف، التملّك، والانعتاق. إن له لأمر مرهق وشاق أن أكون ما أنا عليه، مدعاة للكدر والرهبة، لا سكون من نوع اعتيادي، أعتقد أن ذلك ما يخشاه والدي والجميع، لا طاقة لهم به، المساكين، يتخبطون لدى رؤية أدنى بادرة لكوني كذلك، لذلك احتجبت، احتاجهم أن لا يتخبّطوا كثيرًا، سيشكلون عائقًا لي إن فعلوا، أمنحهم برهة الراحة، وأحصد ما أرغب. التاريخ يشهد أن بعضنا بيدق فحسب، في يد من لا يخشى اعتناق أحلك زوايا. انفتقت زواياي ودكّت، وساد الظلام والنور في آن واحد.
والدي ليس برجل صالح، ولكنه ليس برجل سيء، هو حالة هجينة بائسة كانت لتكون داهية لو استثمرها. ها أنا نتاجه. إن الصالحين بشكل مجرّد مصيرهم محتوم، أدوات في أيدي من نبذ النبل والشرف حين يقتضي الأمر، أدوات من كان نبيلًا ساميًّا في دهائه، عالمًا بإن الغاية لا تبرر الوسيلة، بل تبرر كل شيء، الغاية نفسها قد تكون وسيلة لما هو أدهى. إن الصالحين على مر العصور نجحوا في أمر واحد فحسب، أن يكونوا مثالًا كيف يمكن للصلاح المحض المجرّد أن ينقلب شرًّا مثيرًا للشفقة، فما الأدهى من صالح عاجز؟ أولئك المهجّنون، الذين يجعلون أحدنا يقف حائرًا بين صلاحه وشره، بين تقواه ودهائه، بين نوره وظلامه، أولئك الجشعون الذين يفتنك جشعهم؛ لكنك تعجز عن تحديد إذا ما كانوا سيئين أم جيّدين، أشعر بالانتماء لهم، ويهرع الآخرون هربًا منّا، لا يبتعدون كثيرًا فهم في نهاية المطاف سطر في قصة نرويها.
حين سأحمل رضيعي يومًا وأضحي أمًّا، سأكون ملاذه وشعلته، رفيقته في دربه الخاص ودربي، سأحرص على أن يحيى بحق، بعنف، بكل قسوة وبكل حب، الأمومة ليست محض عاطفة تجتاحني بالنسبة، بل مسئولية أرغب في حملها بوعي، يتحججون أن لا شيء مضمون، لكن تلك محض ذريعة لمن يهاب المسئولية ولا يرى في نفسه القدرة على حملها، كلنا راع وكل مسؤول عن رعيّته.. يبدو أن الغالبية رعيّة لا راع.. ويبدو أنني نتاج لذلك.. سيكون ممتنًّا أنني والدته، بكل خصالي الدافعة للرهبة ..
الجميع –وعلى رأسهم والدي- رغبوا في أن يكونوا سطرًا مستنسخًا في قصة صفحاتها تحمل آلاف الأسطر المتشابهة في مجملها، لكنني أرغب في أن أروي قصة أعظم لا سطرًا، ولو كانوا على دراية، لعلموا أن أمثالي يمنحهم فرصة أن يكونوا أكثر من مجرد سطر عابر، قد يلقى مصيره في هامش أو مسودة. حاجتي تلك تقتضي أن يُخدع من أمامي أحيانًا بالظن أنني محض سطر، أن أتوارى أمام ناظرهم، وأنصهر في الداخل، ساعية في جشع ألا أسقط سهوًا، وينقلب الحال. الطريق شاقة، مثيرة، مرهقة، تقتضي وجود عين للآخرين وعين للنفس، شرًّا وعنفًا، لذة، جبروتًا، صبرًا وطول بال، يتخللها صعود شاهق وغوص عنيف، لكنه يمثلني، وهو ما لا يراه والدي وأنا على مرأى من عينيه.. يخشاني، وهو ما رأى إلا السطح.. لا يهم، الأعماق ليس جديرًا بها إلا …
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s