برانيّـة

صاحبة البشرة الفاتحة تدنّس عرقها إذا ما جمعها رباط الزواج بمن هو أسمر “القشرة”، والأمازيغي لا ينبغي أن تكون “عربيّة” أم أطفاله وتختلط الدماء، هذا إن لم يحرّمها “العرْبي” بنفسه، كما أن المدينة الفلانيّة تجرّم ارتباط بنيها بمن يرجع أصله للمدينة العلّانيّة، هذه وقائع مشهودة في مجتمعنا، محرّمات بشرية لم تسطّر؛ لكن لها نصيب من التفعيل والتطبيق أكثر مما تفعل القوانين المسنونة. هي موروثات فكرية، تبنتها الأجيال الواحد تلو الآخر، وترسّخ بعضها مؤخّرًا بفعل شيطان “الأحداث”، بالرغم من استهجان الكثيرين كأفراد لها؛ لكنها لا تزال سائدة مهيمنة على حياتنا؛ فلماذا؟

 

 

28468277_814458375427430_4645942227098980025_n
صورة منقولة من مقال على منصّة فاصِلة

 

النظرة الاجتماعية الرافضة لزوجات تعتبر “هجينة” تنبع في الحقيقة من الأفراد بمن فيهم الذين يخالفونها، فوعي الفرد مستقلّا يختلف عن وعيه وهو جزء من جماعة. ما الذي يدفع شخصًا بالغًا واعيًا غير عنصري أن يآزر –سواء بالقبول تصريحًا أو تضمينًا- أراء عنصرية؟
وهل من تفسير وتحليل منهجي لذلك يضع يده على الجرح؟

يمكن -من وجهة نظر شخصية- ترجيح الخوف كأحد أسباب هذا الانفصام، فالفرد يخشى كسر نمط أو مخالفة رأي شائع؛ قد يؤدي إلى حدوث اضطراب، وأحيانا يعدّ تمرد “فرد” ضد جماعة، ومن ثم نبذ المتمرّد ونفيه ولو على صعيد نفسي. البشر عادة يخشون التغيير؛ لأنه مقدمة للبناء والذي يعدّ عملية شاقة ستحرمهم من روتينهم المريح، فتجد من لا يستهجن زواج مختلفي العرق وقد يميل له في داخله يقف في صف الرافض لهذا المزج بين الأعراق؛ لأن الرافضين يمثلون شريحة أكبر، وبالتالي سيتعرض للإقصاء إن خالفهم، وحاجة الفرد للانتماء في مجتمعنا تتفوق على تلبية احتياجه لإشباع قناعاته الشخصية، وينعكس ذلك الخلاف على سلوكه، وينتج ما نراه حولنا، ولا يقتصر الأمر على العلاقات الاجتماعية، فالعقل الجمعي يؤثر في قراراتنا عامة؛ لكنه يبرز في اجتماعياتنا بشكل صارخ.

لا يخفى على أحد أن مجتمعنا يولي أهمية للجماعة أكثر من أفرادها مستقلين، ابتداءً من التركيبة الأسرية الليبية الممتدة، وانتهاءً بالقبيلة، حيث تضحي هذه المجموعات أشبه بكيان مستقل بوعي منفرد، وهو ما يعرف بـ “العقل الجمعي”، وهو ليس نتاج مجموع أفكار ما يشكله من أفراد بالضرورة، بل فكر أكثرهم هيمنة وتأثيرًا. التأثير المشار إليه لا يقصد به سلطة سيادية سياسية، بل هيمنة اجتماعية سواء لفرد – أو عدة أفراد- في جماعة.

إذًا “أنت” وسط حشد يختلف عنك “أنت” مستقلًّا، حيث نصبح “برانيّة” عن أنفسنا أحيانًا! والشواهد كثيرة سواء عبر التاريخ أو حياتنا اليوميّة، نعبّر عنها في جمل نرددها كثيرًا مثل “الدوة في الوسع”، حيث نتلوّن ولو قهرًا ونخالف قناعاتنا ونتماهى مع فكر الجماعة في “وقت الضيق”.

قد يراودك تساؤل عن كيف يمكن أن ننسلخ عن “العقل الجمعي” الذي يدفعنا لمخالفة قناعاتنا؛ لكن يحلو لي شخصيًّا التساؤل عن إمكانية توظيف هذا العقل الجمعي فيما ينفع المجتمع، ويتردد التساؤل التالي:

إذا ما كانت أعرافنا الظالمة مهيمنة بسبب سطوة عقل الجماعة على الأفراد، فهل نحن بحاجة لعزلنا عنه أم لتوظيفه فيما ينهض بمجتمعنا؟

سطوته قد لا تكون شرًّا بذاتها، وقد لا يوجد مهرب من سيادة عقل الجماعة -والذي يشكّله فكر ورأي أكثر أفراد الجماعة هيمنة وتأثيرًا-، فهل يجب أن نصارعه أم نطوّعه؟

حقوق الصورة || موقع بوابة الوسط

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s